صديق الحسيني القنوجي البخاري

640

فتح البيان في مقاصد القرآن

ويحتمل أنه من جملة المقول المأمور به ، أمرهم اللّه سبحانه بالاستماع للقرآن والانصات له عند قراءته لينتفعوا به ويتدبروا ما فيه من الحكم والمصالح وقال أبو البقاء : الضمير للّه بمعنى لأجله وفيه بعد . قيل هذا الأمر خاص بوقت الصلاة عند قراءة الإمام ولا يخفاك أن اللفظ أوسع من هذا والعام لا يقتصر على سببه فيكون الاستماع والانصات عند قراءة القرآن في كل حالة وعلى أي صفة مما يجب على السامع ، وقيل هذا خاص بقراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم للقرآن دون غيره ولا وجه لذلك ، وظاهر الأمر الوجوب ، وهو قول الحسن وأهل الظاهر وقيل الندب والاستحباب . قال أبو هريرة : نزلت في رفع الأصوات وهم خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الصلاة وفي لفظ عنه أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم فأمروا بالسكوت ، وإليه ذهب جمهور المفسرين كما في المعالم والكشاف وأنوار التنزيل وحاشية الكمالين وغيرها ، وقال ابن عباس : يعني في الصلاة المفروضة وعن محمد بن كعب القرظي ومجاهد وعبد اللّه بن مغفل وابن مسعود نحوه . وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف ، وصرحوا بأن هذه الآية نزلت في قراءة الصلاة من الإمام ، وعن الحسن قال : عند الصلاة المكتوبة وعند الذكر ، وعن ابن عباس في الصلاة وحين ينزل الوحي ، وقيل نزلت في السكوت عند الخطبة يوم الجمعة ، وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء واختاره جماعة وفيه بعد ، لأن الآية مكية ، والجمعة إنما وجبت بالمدينة والأول أولى ، وقال ابن عباس في الجمعة والعيدين . وقال الرازي : إنه خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض الاحتجاج بكونه معجزا على صدق نبوته ، وعند هذا يسقط احتجاج الخصوم بهذه الآية من كل الوجوه ، ثم ذكر ما يقوى أن حمل الآية على ما ذكر أولى بوجوه . وقال لو حملنا الآية على منع المأموم من القراءة خلف الأمام فسد النظم واختل الترتيب فثبت أن حمله على ما ذكرناه أولى ، وهذه الآية لا دلالة فيها على هذه الحالة انتهى . وأشار القاضي إلى أن احتجاجهم بهذه الآية ضعيف ، وقال بعض محشية : أي مردود بخبر الصحيحين : « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » « 1 » انتهى . أقول : رواه الجماعة عن عبادة بن الصامت وفي لفظ : « لا تجزى صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ، » رواه الدارقطني وقال إسناده صحيح وصححه ابن القطان ولها شاهد من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ مرفوعا ، أخرجه ابن خزيمة وابن حبان

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في المواقيت باب 69 ، 115 ، وابن ماجة في الإقامة باب 11 .